المناوي
83
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وكان يعدّ ولايته للقضاء ذنبا ارتكبه ، حتى كان يقول : ما خار اللّه لمن بلي بالقضاء ، لو لم يكن فيه إلّا طول الحساب للسّؤال [ لكفى ] « 1 » . وكان يغلب عليه سلامة الصّدر ، وحسن الظّنّ بالناس ، ولذا لم تحمد ولايته ، مع ما فعل فيه من المآثر الحسنة التي لو لم يكن منها إلّا ردّ الأوقاف التي اقتطعت لبعض الوجهاء ، واستبدال خلعة القضاء الحرير بالصّوف . ونصيبه مسرفا على الأوصياء « 2 » ، والحطّ على النّواب ، وإبدال غير المناسب ، وتحذيرهم في كلّ قليل [ لكفاه ] « 3 » . حتى إنّه كتب لقاضي إخميم البهنسي مع كمال ورعه : هذه المكاتبة لفلان الموفّق لقبول النّصيحة ، وآتاه [ اللّه ] لما تقرّبه إليه قصدا صالحا ونيّة صحيحة ، أصدرها إليه بعد حمد اللّه الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور ، ويمهل حتى يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور تذكّره بأيّام اللّه وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [ الحج : 47 ] وتحذّره صفقة من باع الآخرة بالدنيا ، فما سواه مغبون ، عسى اللّه أن يرشده بهذا التّذكار ، وينفعه ، وتأخذ هذه النصائح بحجزه عن النار « 4 » . فإنّي أخاف أن يتردّى فيها فيخرّ من ولّاه معه ، والمقتضي لذلك ما لمحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب ، وتقاعد الهمم عن القيام بما يجب للربّ على المربوب ، وأنسهم بهذه الدّار وهم مزعجون عنها ، وعلمهم بما بين أيديهم من عقبة كئود وهم لا يتخلّصون منها ، سيما القضاة الذين تحمّلوا الأمانة على كواهل ضعيفة ، وظهروا بصور كبار وهمم نحيفة ، فالأمر عظيم ، والخطب جسيم [ ولا أرى مع ذلك أمنا ولا قرارا ولا راحة ] « 5 » ، اللّهمّ إلّا رجلا نبذ
--> ( 1 ) ما بين معقوفين مستدرك من الطالع السعيد 596 . ( 2 ) كذا في الأصل ، ولعلّها : وتنصيبه مشرفا على الأوصياء ، والعبارة في الطالع السعيد 597 : ورتّب مع الأوصياء مباشرا من جهته . . . ( 3 ) ما بين معقوفين مستدركه لإتمام المعنى . ( 4 ) الحجز . جمع حجزة : معقد الإزار . القاموس ( حجز ) . ( 5 ) ما بين معقوفين مستدرك من الطالع السعيد 598 .